الرئيسيةنورس فلسطينبحـثالتسجيلدخول
https://i14.servimg.com/u/f14/13/64/63/40/uuoous10.gif
https://i64.servimg.com/u/f64/14/24/41/60/12310.png
https://i40.servimg.com/u/f40/12/50/61/71/62511710.gif

شاطر | 
 

 ديوان أبي سلمى عبد الكريم الكرمي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ليمار

¦>مشرفة عامة
¦>مشرفة عامة<¦


انثى



محترم ع الآخـر


||آلـعـمـــر|| ||آلـعـمـــر|| : 24
||الإنتساب|| ||الإنتساب|| : 03/08/2007
||نــقـــــآط|| ||نــقـــــآط|| : 3419
||السٌّمعَـة|| ||السٌّمعَـة|| : 18
||المساهمات|| ||المساهمات|| : 1857
||My Sms|| ||My Sms|| : لا يوجـد
||My Mms|| ||My Mms|| :
||الإدارة|| ||الإدارة|| : منتديات نورس فلسطين

مُساهمةموضوع: ديوان أبي سلمى عبد الكريم الكرمي   6/12/2007, 1:43 am

لماذا أبو سلمى الآن؟.. يَرِدُ هذا السؤال، حسب وضع السائل، إما بحثاً عن مدخل للكلام، وإما جهلاً بطبيعة الشعر.
لأن أبا سلمى حاضر فينا، أو لأنه الوفاء، أو لأن الانتفاضة تعيد إنتاج أيام أبي سلمى في النضال.. وتأتي هذه الأجوبة، حسب وضع المجيب، إما لأنه لابد من جواب، وإما تماهياً للمغني مع الأغنية، وإما جهلاً بطبيعة الشعر..
فالشعر، في جوهره، لا يتوسل مناسبة للحضور، حتى لو نجمت بعض القصائد عن بعض المناسبات. ولا يقبل الشعر وساطة بين مبدعه وقرائه بدعوى أهمية المبدع في الذاكرة التاريخية. فتلك الأهمية من شؤون التاريخ أو الأخلاق. وليس معنى ذلك إسقاط المغزى النبيل، أو الرسالة، أو الفكرة المركزية التي نذر لها المبدع جهده دماً وحبراً. ولكنه انتصار لشعرية الشعر، وإصغاء للنبض العميق المبرأ من الزوائد، والمرشح للبقاء.. وقد بقي الكثير من شعر أبي سلمى. أو لنقل: إن ما بقي من شعره كافٍ ليبقيه إنساناً وشاعراً، مما يصالح بين الهوية والإبداع. فللرجل أهميته التاريخية، ولكن هذه الأهمية ما كانت لتحتل مساحتها في دفتر الإبداع، لو لم تكن مشفوعة بالشعر مستوفياً شروط الشعر.
ـــــــــــــــــــــــــ
وأبو سلمى هو عبد الكريم سعيد علي المنصور الكرمي. وإذا كانت كنية "الكرمي" تنسبه إلى بلدته الفلسطينية طولكرم التي أنجبته ذات يوم صيفي من عام 1909، فإن مدينة حيفا كانت حبه الأثير. فهو محاميها الشهير، وشاعرها الوفي. وتقتضي الأمانة الموضوعية أن نشير إلى أنه اختار لحيفا ضرّة عربية هي دمشق. فقد درس فيها المرحلة الثانوية. ثم لجأ من حيفا إليها بعد نكبة 1948، وعلى كثرة أسفاره في الدنيا شاعراً ومعرّفاً بالقضية الفلسطينية، فإنه لم يغير عنوانه الدمشقي، حتى بعد أن أغمض عينيه إلى الأبد في الحادي عشر من الشهر العاشر للعام 1980 في العاصمة الأمريكية، بين يديّ ولده الوحيد، الدكتور سعيد الكرمي، الذي حرص على نقله، بناءً على وصيته، إلى دمشق، حيث شهدت العاصمة السورية، في وداعه، واحداً من أكبر مواكب التشييع في تاريخها، وبدت مقبرة الشهداء في مخيم اليرموك وكأنها ساحة يوم القيامة.
وكان أبو سلمى من أسرة علم وأدب. فأبوه الشيخ سعيد من العلماء الأجلاء واللغويين الثقات وكان عضواً مؤسساً في المجمع العلمي العربي. أما أخوه أحمد شاكر الكرمي فكان من الصحفيين العرب الرواد ومن وجوه الوطنية والقومية حتى أن دمشق أطلقت إسمه على أحد شوارعها. وبرز أخوه حسن الكرمي "أبو زياد" كراوية علاّمة، وحقق شهرة مدوية من خلال برنامج "قول على قول" الذي كان يعدّه ويقدمه بصوته من إذاعة لندن.
ارتبط أبو سلمى برفيقة عمره، المناضلة رقية حقي يوم 17/1/1935 وكان الزواج في مدينتها عكا. ولم ينجبا "سلمى" ولكنه كان ينادى بأبي سلمى، لأسباب شعرية، منذ أن كان يدرس في معهد عنبر أيام المرحلة الثانوية في دمشق. وقد شكل أبو سلمى مع إبراهيم طوقان وجلال زريق ثلاثياً ظريفاً في الحياة والشعر. ولا يزال الرواة يتناقلون شفوياً قصائدهم الماجنة المازحة بألفاظها المكشوفة، وكثيراً ما لا يميز الرواة، في هذا المجال، بين ما كتبه إبراهيم وما كتبه أبو سلمى.
من الغريب أن هذا الشاعر الكبير لم تصدر له مجموعة شعرية في فلسطين، بل كانت قصائده موزعة على الصحف والمجلات وعلى أفواه المعجبين وفي ذاكرة الحفظة. لكنه جمع هذه القصائد ـ إلا ما ضاع منها ـ في مجلده الذي أمامي "ديوان أبي سلمى"، وأضاف إليها مجموعاته التي أصدرها بعد النكبة، مع القصائد التي لم يدركه الوقت لتثبيتها في مجموعة مستقلة والمجموعات التي أعطاها عناوين محددة، وأصدرها فرادى، ثم في ديوانه الكبير، هي:
- المشرد: 1953.
- أغنيات بلادي: 1959.
- أغاني الأطفال: 1964.
- من فلسطين ريشتي: 1971.
وذكر، في مقدمة ديوانه، أنه كتب مسرحية شعرية تبدأ بكفاح الشيخ الشهيد عز الدين القسام وتؤرخ فنياً لتلك المرحلة النوعية من تاريخنا، وأن الكاتب العربي الكبير إبراهيم عبد القادر المازني قد وضع مقدمة لهذه المسرحية المفقودة، التي يُظن أنها سرقت من الشاعر بعد الهجرة من فلسطين. ولأبي سلمى ثلاثة كتب غير شعرية، هي: "كفاح عرب فلسطين ـ 1964" و"أحمد شاكر الكرمي، مختارات من آثاره ـ 1964"، و"الشيخ سعيد الكرمي ـ 1973".
ومع ذلك فليس ما ورد أعلاه هو مجمل أعماله الكاملة. فقد أصدرت الدارسة العربية السورية، المرحومة غادة أحمد بيلتو كتاب "الديوان الآخر" وهو مختارات واسعة من أشعاره غير موجودة في أي كتاب. ومن الأهمية بمكان أن بين هذه القصائد واحدة مكتوبة حسب نظام التفعيلة. إلا أنني فقدت هذا الكتاب، مع الأسف، أثناء رحلة العودة إلى الجزء المتاح لنا من الوطن عام 1994. كما أنني أستطيع الشهادة بأنني رأيت أبا سلمى، أول مرة، وأنا فتى، في حمص عندما كان يلقي محاضرة من كتاب مخطوط له حول الشاعر الأردني "عرار". وقد سألته، بعد عشرين سنة، عن هذا المخطوط، فأعطاني جواباً غامضاً بقوله: كل شيء موجود..
والآن، هل جاء دور الشعر؟ ليس للشعر دور، بل هو الدور الوحيد في العرض اللانهائي لشاعر خلدته فلسطين، إسمه عبد الكريم الكرمي كما جاء في بطاقة ميلاده.. وهو دائماً.. أبو سلمى.
حلم الثائرين
حسناً فعل أبو سلمى، عندما قسم ديوانه الكبير حسب تاريخ النكبة: ما قبلها، وما بعدها. وليست هذه قسمة زمنية مجردة، بل هي لحظة حاسمة بين فصلين في ملحمة نوعية. لقد كان أبو سلمى شاعراً منشداً. وريثاً لتاريخ من القول الشعري الذي كانت تقام له أسواق مثل عكاظ والمربد. لكنه لم يتوقف عند هذا المقترَب السَّلَفي، بل طالت أنظاره وذائقته أشعار الفرنسيين الرومانسيين بلغتهم. وقرأ غوته الألماني وشكسبير ووردزورث وبليك الإنكليز من خلال الترجمة. فهو يعي أن للشعر دوراً في حياة الأمة. ولكنه يعي أيضاً أن الشعر شأن ذاتي. إلا أن المحامي الشاب المقرب من عصبة التحرر الوطني، والمحتفظ إلى ذلك بالجانب المنير من التراث، كان قد توحد بروح الجماعة. ففلسطين هي الحبيبة وهي القضية. ولن يضيرها أن تكون إلى جوارها ـ بل فيها ـ حبيبة من لحم ودم. فللحب وقت وللوطن كل الوقت. إنه ثائر، وفلسطينه حلم الثائرين.
هذا ما قاله في القصيدة الأولى المثبتة في ديوانه، عندما كان لا يزال يدرج على أرض ذلك الحلم. فهو، والأمر كذلك، لم يكتب "عن" فلسطين بل كان يصدر عنها:
فلسطين يا حلم الثائريـن فلسطين يا وطن الخالدين
تنام على راحتيك النجوم وفجر الأمانيّ فوق الجبين
وهذا الكلام البسيط ليس مغرقاً في البساطة. ففلسطين الحلم في أول الكلام، هي وطن الخالدين الذين يحلم ويقتدي بهم الثائرون. وإذا كانت نجوم البيت الثاني تنبئ بالليل الهنيء، فإن الفجر هو مآل ذلك الليل المرتبط بالحركة والفعل، حيث النجوم تنام على الراحتين، فيما الجبين، وهو العالي، موئل للفجر المأمول.
وقد لا يكون في هذا الكلام العادي ما يضاف إلى الإنجازات الشعرية العربية في النصف الأول من القرن العشرين، إلا أن ما يستوقفنا، عدا العلاقة العضوية بين الكلمات، و أن الشاعر الذي احتفظ من تركة التراث بنظام البيت الشعري الصارم، لم يهتم بما كان يسميه الأسلاف بيت القصيد، بل كان مشغولاً بالقصيدة كلها، بما هي وحدة موضوعية، تبلغ ذروتها الدرامية في محاكمة البطل الغائب، وهو هنا القيادة العربية الرسمية يوم ذاك:
لنــا دول ليتــها لــم تكــن مطايا وأذنــاب مستعمرين
ونحن الذين نثور على الظلم والجهل والفقر في كل حين
بهذا يكون الشاعر قد حقق معادلته التي خلقت مدرسة شعرية تسمى بشعر القضية. فالدول، بمعنى الحكام، أذناب ومطايا. والشعوب هي التي تناجز الظلم والظلام على المستويين الوطني والاجتماعي. وما دامت هذه سنّة المرحلة، فإن ضمير المخاطب بصيغة الجمع، وحروف النداء، وإرسال حروف المد، من ألف وياء وواو، في القوافي، ستكون هي أدوات الشاعر المدجج بأفعال الأمر التحريضية: مزقوا، إمسحوا، سيروا. ومن داخل هذا الخطاب الملتهب يمكن العثور، أحياناً، على نص غائب يجعل الحرية واحدة في العالم، فالفلسطيني الثائر في جبل المكبر عند القدس مدعو إلى تحطيم سجن الباستيل من جديد. ليس في فرنسا هذه المرة، بل في فلسطين، إنه باستيل مجازي يرمز للسجن والطغيان:
جبل المكبر لن تلين قناتنا ما لم نحطم فوقك البستيلا
ويكاد هذا البيت يلخص مرجعية أبي سلمى الثقافية، فصيغة النداء المتبوعة بلين القناة هي لغة التراث. والباستيل هو من الرافد الثقافي. وليس هذا مجرد أسلوب، بل نظام حياة. فأبو سلمى المعتدّ بالتراث هو المتطلع إلى ما يجري في العالم.. هكذا نراه، في مكان آخر، يشير إلى محاكم التفتيش مستعيراً من أوروبا العصور الوسطى ما ينسحب على بعض العرب في القرن العشرين.. ومثل ذلك، في شعره، كثير.
لهب القصيد
وإذا كان لكل شاعر قصيدة تنتسب إليه ويُنسب إليها، فإن قصيدته، قبل النكبة، هي من غير شك "لهب القصيد" ذات الأربعة والستين بيتاً، والتي ما إن قالها حتى شاعت في عموم فلسطين، وسرعان ما انتشرت في الوطن العربي الكبير. ساعد على ذلك إيقاعها السريع الذي واتاه مجزوء الكامل، وقافية الدال المكسورة مسبوقة بالياء الممدودة أو الواو. ووحدتها العضوية الموضوعي بحكم انضباط مسارها، على ما فيها من هياج وتحريض. مع وتيرة الغضب المتصاعد، إثر ثورة 1936 العظيمة التي توجها الشعب العربي الفلسطيني بالإضراب التاريخي الطويل المشهور. وأنهاها الحكام العرب بدعوة الشعب إلى الهدوء والركون إلى ثقة "الصديقة بريطانيا". فلم يكن ذلك الحدث الكبير مناسبة علق عليه أبو سلمى قصيدته الشهيرة، ولكن المناسبة ـ على أهميتها ـ كانت ذريعة لتفجير هذه الطاقة الشعرية المتساوقة مع غضب الشعب. إنها قصيدة حديثة، حتى وهي في بهائها الكلاسيكي، من حيث هي نشيد عام قادر على أن يشيع في الملتقى بوصفه زفرة شخصية. ولعل هذا ما يفسر صمود هذه القصيدة للزمن بعد عشرات السنين ووفاة الشخصيات الواردة أسماؤها فيها. وإذا صدقت نبوءة المتبني بتحويل الزمان إلى أحد رواة قصائده، فهذا هو شأن الشعر العظيم. إذ ليست الشكوى وحدها ـ كما وردت في قصيدة أبي سلمى ـ هي الباقية إلى الأبد الأبيد، بل الشعر بما هو شعر. ولكن هذا الشعر وهذه الشكوى قد تداخلا فإذا هما من جبلة واحدة:
انشر على لهب القصيد شكوى العبيد إلى العبيد
شكوى يرددها الزمــــا ن غداً إلى أبـــــد الأبيد
وتمضي القصيدة لتعدد الملوك العرب. بالاسم وبالمشكلة التي يجسدها كل ملك، ولا تقف عند الحدث الطارئ، بل تجعل منه رمزاً له طابع الديمومة. فالعروش والسلاسل والقيود وأستار مكة والشطرنج والأصنام والسيوف الأثرية والدمية والنيل والشهيد هي أثاث هذه العمارة الشعرية التي تتضافر حجارتها مفردات وصوراً بما يحقق لغة عالية متعالية على المناسبة لتبقى في صميم السؤال. وإذا كان الملوك رموزاً للقصور ـ بالمعنى المزدوج المتاح من اللغة: المباني الفاخرة والتقصير الفادح الفاضح ـ فإن الشهداء يجولون في القصيدة رموزاً مضادة، مليئة بالحياة والتحدي:
قوموا انظروا القسام يشرق نوره فوق الصرود
يوحي إلى الدنيــــا ومن فيهــا بأسرار الخلود
ومن القسام إلى الشيخ الشهيد فرحان السعدي الذي واصل قيادة الثورة ومضى إلى المشنقة بسنواته السبعين:
يمشي إلى جبل الشهادة صائمــــاً مشي الأسود
وبعد التفجع على الآهلين والمساجين والمنفيين والمشردين والأرامل والأيتام يخلص الشاعر إلى تشكيل صيغة واحدة تجمع هؤلاء في "الوطن الذبيح من الوريد إلى الوريد"، ولأنه مهموم بجرح الأمة كلها، فإنه يعرّج على مأساة لواء اسكندرونة الذي اغتصبه الأتراك من سورية فهو "نبتة حمراء من زرع حصيد" مبشراً بثورة شعبية هي ذروة القصيدة:
لا تصهر الأغلال غير جهنم الهول الشديد
ووقودها أهل الكرامة من جحاجحة وصيد
يا نار لا تتظلمي وتقبلي شــرف الوقـــود
وإذا كانت القصائد الملحمية الكبرى تتحول إلى خلاصات تختزل الحقب الزمنية، لتنتشر بعدها قصائد، من مادّتها، تضيئها وتعمق رؤياها. فهذا ما فعلته "لهب القصيد" التي يمكن أن ننسب إليها ـ إلى فئتها بالأحرى ـ مجمل قصائده الوطنية المكتوبة قبل النكبة، من إدانة لمغتصبي الحكم، إلى تمجيد للشهداء، إلى مواجهة العدو، إلى إيمان لا حدّ له بقدرات الشعب.
جرح النكبة
جارح وأليم هذا التحول في صوت الشاعر. إن ذلك الحادي المغضب المجلجل في لهب القصيد، هو الذي ستكسره، ولو إلى حين، رؤية أبناء شعبه النازحين عن أوطانهم، حتى ليعترف: "ما على القلب إن بكى من جناح".. لكن هذا الأسى سرعان ما يتحول إلى وقود يحرق الغريمين التقليديين: العدو المباشر.. والحاكم الذي حل في شعبه محل المصيبة، فهو يذرف دمعة التمساح فيما هو المدان. على أن الملاحظ بوضوح ـ بعد النكبة ـ أن شعر أبي سلمى، وان لم يطرح عدّة الخطابة الملتهبة، قد بدأ يدخل في الحميم والهامس حتى عندما يتعلق الأمر بالوطن. إن قصيدة "ابنة بلادي" مثلاً، ما كانت لتجد لها مكاناً في شعر أبي سلمى، قبل النكبة. لا لانعطاف في الرؤيا أو انزياح عن الخطاب العام للشاعر، وإنما للحساسية الجديدة التي طرأت على ردود فعله. الآن لا هدير ولا صراخ. بل شجن عميق، واستغراق في الطبيعة، كأنما الشاعر يسترجع الأغنية والفجر والنهر الضاحك والشاطئ الغربي والألحان وصنوبر السفح، بديلاً موضوعياً للصرخة المغضبة المدعوة إلى الانفجار. وهذا لا يعني التخلي عن الثورة. فالثورة هي كلمة سر هذا الشاعر. ولكن الجديد هو لحظة انتباه إلى الذات بما فيها من مشاعر إنسانية مفردة. وبقليل من التأمل نرى أنه في هذا الوضع الحميم أقرب إلى الثورة إذا كنا متفقين على أن الثورة، وجودياً، تبدأ بالذات:
أهواك في أغنيــــة حـــرة يخفق فيها الناي والمزهر
في طلة الفجر على المنحنى يهفوا إليه الكرم والبيدر
أهواك في شعبي وفي موطني فأنت لا أحلى ولا أنضر
نلاحظ هنا أن أبا سلمى ـ وهو الشاعر المنسوب إلى التقليدية ـ قد سبق شعراء المقاومة الفلسطينية إلى مماهاة المرأة مع الوطن. ألم يقل له محمود درويش: أنت الجذع الذي نبتت عليه قصائدنا؟..
على أن هذا الشجن الحميم في شعر أبي سلمى، جعل يؤصل علاقات جديدة مع الوطن والمنفى. لقد ظهرت أسماء المخيمات في شعره:
باسم "خان الشيح" و"النيرب" و"البارد" الحاملة العمر أسانا.
وبدأ القلق يعتوره مع مرور السنين بعيداً عن الوطن. فمن المعروف أن اللاجئين كانوا يعدون العدّة للعودة بعد سبعة أيام، وإذا بالسنين السبع تمر بعد سنين سبع، حتى ليتساءل الشاعر مفزوعاً:
كلما قلت: أطل الفجر، غابا أترى تغدو فلسطين سرابا؟
وهكذا وجد نفسه يعطي إحدى مجموعاته عنوان "المشرد"، وبدأت ظاهرة الحنين الفلسطيني تنافس حنين شعر المهجر، مع مرارة مستجدة أساسها أنه حنين إلى وطن مستلب لا إلى وطن يمكن العودة إليه. وهو ما يؤسس شعوراً بالاغتراب حتى بين الأهل من العرب. صحيح أن "بلاد العرب أوطاني" لكن فلسطين هي البيت ولا يستطيع مغرّد مثل أبي سلمى إلا أن يؤكد هذا:
من فلسطين ريشتي وبياني فعلى الخلد والهوى يدرجان
وستكثر أسماء المدن والقرى الفلسطينية في شعره. فقد كان حريصاً على أن تحفظ الحقيقةُ الشعرية حقيقةَ الوطن. ولتأخذ المأساة تجلياتها في التسمية من شعر النكبة إلى شعر الحنين إلى شعر العودة.. لكن ما يعني الشعر، بما هو شعر، أن أبا سلمى قد أسس لمعنى جديد في الإلتزام. فهو لا يكتب "خدمة" للقضية، ولكنه يكتب ذاته فإذا بهذه الذات مترعة بفلسطين.. لقد صنع فلسطين من الكلمات موازية لفلسطين الوطن.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ليمار

¦>مشرفة عامة
¦>مشرفة عامة<¦


انثى



محترم ع الآخـر


||آلـعـمـــر|| ||آلـعـمـــر|| : 24
||الإنتساب|| ||الإنتساب|| : 03/08/2007
||نــقـــــآط|| ||نــقـــــآط|| : 3419
||السٌّمعَـة|| ||السٌّمعَـة|| : 18
||المساهمات|| ||المساهمات|| : 1857
||My Sms|| ||My Sms|| : لا يوجـد
||My Mms|| ||My Mms|| :
||الإدارة|| ||الإدارة|| : منتديات نورس فلسطين

مُساهمةموضوع: رد: ديوان أبي سلمى عبد الكريم الكرمي   6/12/2007, 1:46 am

شاعر العودة
إلى متى وأرضنا تنتظر؟ طال السرى وما أطل القمر
بهذه العذوبة كان الشاعر يتفقد السؤال الوطني. يخشى عليه الفتور والرتابة. وهو شاعر أولاً وأخيراً، سلاحه الرؤيا وأدواته الكلمات. أمامه أهله الذين "أنكرتهم حتى الصوى والقبور" ووراءه ذكريات الوطن المضرج. وحوله لحظة عربية مكسورة. فهل يحقق بالشعر عودة لم يستطع تحقيقها فيزيائياً؟ لكن الشعر حامل مأساة. والشاعر بطبعه حزين. فكيف يجمع الحزن إلى الثورة؟.. وهل يستطيع الشعر تقديم الجواب؟
أيها الحاملون أحرفنــا الحمر صلاها تشــرد وسعيـــــر
ما عليكم إذا مشيتم على الجمر قليلاً، إن اللهيب طهور
اللهيب طهور.. وشعرنا عابق الشذا من دمانا. لكن فلسطين لا تعود مع ذلك. وليس إلا أن يتحول الشعر إلا أداة للتشبث بها:
ريشتي في حفيفها جهشة الأقصى على أهله ونوح الأذان
دير ياسين في الشباة مع القسطل خلف الســواد يعتنقان
ولن ينسى التنكيل بالحاكم العربي، رمز الضعف والتفرقة "ونراكم ـ دولاً.. كل دولة بكيان" وهذا الحاكم عدو للحرية: "ثم حرية تقولون للناس وما فيكمو سوى سجان".. وكالعادة، وحسب معادلته لتاريخية، يظل الشعب هو البديل.. أو هم الأهل، حسب التعبير المحبب لديه، ولسوف تبزغ صورة الفدائي أخيراً فارساً وحيداً للمهرجان حتى ليغدو النضال بحد ذاته سبباً للتعلق بالوطن:
يا فلسطين ولا أحلى ولا أغلى وأطهر
كلما قاتلت من أجلك أحببتــك أكثر
ولقد ظل يحبها أكثر حتى جاد بآخر رمق. بحيث يمكن القول إن علاقة هذا الشاعر بالوطن هي من العلاقات الاستثنائية التي دغمت الذاتي في الموضوعي، فإذا قيل أبو سلمى قيلت فلسطين.. فقد كان مفتوناً حتى بأسماء المدن والقرى الفلسطينية، وكان يعزّي حنينه إليها بأنها هي تنتظره، بدوره، وتحنّ إليه.. وإذا كانت الثقافة التراثية معنية بالنداء، فإنه في قصائد الحنين والعودة لا يخاطب الجموع، بل ينحني على الضعيف والأليف، مستخدماً عبارته الأثيرة "أختاه" وأحياناً "يا أخي".. فكانت فكرة فلسطين البيت تلازمه دائماً:
أختاه لا تبكي على ديارنــا فالتربة السمراء في انتظارنـــا
سيري إلى عكا نزر شاطئهـا فالموج لا يروي سوى أخبارنـــا
حيفا مع الكرمل يهتفان كي نأوي مع الطير إلى أوكارنـــــا
من قمة الجرمق أو من صفد هذي الدنى على مدى أبصارنا
ثم اهبطي حطين نلثم تربها عساه يهدينا إلى أحرارنــــــــا
اللد والرملة طوفي بهمــــا سليهما عنا وعن أسمارنـــــــا
وهذه يافا تقول كنتمـــــــو من أهلنا.. واليوم من زوارنـــا
لقد تعمدت أن أسترسل في الاستشهاد، لأن نقص أي بيت مما ترد فيه أسماء مدننا وقرانا كان بمثابة خيانة للنص والروح. وكان أبو سلمى يعرف ما يفعل عندما اختار بحر الرجز، بموسيقاه الشجية البعيدة عن تشنج الهتاف، فسالت القصيدة كلاماً أليفاً ندياً تزيده القافية (المركبة من راء مكسورة ونون مفتوحة مطلقة الروي) شجناً يقارب النشيج المكتوم، لتبلغ القصيدة ـ واسمها التربة السمراء ـ ذروتها مع البيت الأخير الذي يدل على ثقافة الشاعر الحديثة، القادرة على التمييز بين الغربة والاغتراب. فنحن في المنفى غرباء عن وطننا. لكننا ونحن بين أهلنا العرب الهانئين في ديارهم نعاني من اغتراب يتكامل مع الغربة المضنية، حتى ليصح السؤال:
أختاه.. هل نحن غريبان هنا أم بين أهلينا وفي ديارنا؟
ويتضح هذا البعد في غير قصيدة للشاعر. مثل قصيدة "سنعود" الذي يلمس فيها إنكار المدينة العربية له.. فهو عربي. هذا صحيح.. ولكنه لاجئ:
أتنكرني وفي قلبي سناها وأعراف العروبة في إهابي؟
وحتى عندما يحاول استعادة الجلبة وضجيج النشيد ملوحاً بالعودة المأمولة. فإن المفردات التي تواتيه ليست هي الجيوش والجحافل بل قوافل الأيام، والسهول، والهضاب، والشواطئ، والجداول، والمدائن، والأمل المجنح، والفجر الضحوك.. ويمكن في هذا السياق الرومانطيقي أن نجد مكاناً للعواصف والنسر المجنح والرايات الدامية ووهج الأسنة والحراب.. ولكنك تشعر أن هذا النسر المهيض مثخن بالجراح، وأنه، وهو المسكون بالعودة، أسير الحنين وما الوعد والوعيد إلا للعزاء.
عروبة وبطولة
حين تحولت فلسطين، عند أبي سلمى، إلى لحظة درامية متصلة، كانت بطولة المشهد معقودة للشعب على المستوى التاريخي. لكنها كانت تتسع لمساحات من التراجيديا يكون الحزن فيها من نصيب الفرد الذي هو الشاعر، وفي الوقت ذاته، هو كل من يمثله الشاعر. فقد تلقى النكبة بوصفها جرحاً شخصياً بقدر ما هي مأساة أمة. ولكنه بطبيعته الراديكالية لم يجلس يندب الحظ والأيام الخوالي. فهناك فجيعة، ولكن له إصبع اتهام. وهناك بطولات ومن حقها على الشاعر أن تكون حاضرة في الذاكرة والوجدان. ولأنه يساري ذو اختيار عربي، فإن "الأبطال" الذين دخلوا قصائده كانوا عرباً فلسطينيين وغير فلسطينيين. وقد مرّ بنا نشيده في الشيخ الشهيد عز الدين القسام، السوري الذي قاتل في سورية وفي فلسطين. وكذلك الشيخ الشهيد الفلسطيني فرحان السعدي. وقد رثى شهداء وشخصيات وطنية سورية ومصرية ولبنانية وفلسطينية مثل عوني عبد الهادي، و أحمد مريود، وعمر الفاخوري، وعدنان المالكي، وجول جمال، وبطبيعة الحال جمال عبد الناصر ـ وإن كانت مرثيته غير موجودة في الديوان، ومع ذلك هناك قصيدة في هذا الديوان تشيد بهذا الزعيم العظيم ـ وللشاعر وقفة خاصة مع الشهيد القسامي محمد صالح الحمد ـ وهو والد الشاعر الفلسطيني خالد أبي خالد ـ وقد استشهد في قرية دير غسانة عام 1938، ابن سيلة الظهر، إحدى قرى جنين. ويلاحظ أن رثاء الشاعر لهذا القائد الشعبي أخذ طابع الفجيعة الشخصية، فإلى هذا الحد كان أبو سلمى قريباً من الثوار المجاهدين:
وقفت أناجي سيلة الظهر باكيا وأذللت دمعي بعدما كان عاصيا
أنادي فتى فتيانها حامي الحمـى أبا خالــد: هلا أجبت المناديـــا
وطبيعي أن يستدعي البحر الطويل بهذه اليائية، إحدى أشهر قصائد الرثاء في التراث العربي وأعني بها مرثية مالك بن الريب لنفسه. ويذكر القراء أن مالكاً في هذه القصيدة المتفجعة لم ينس بطولاته وبأسه، وهذا ما فعله أبو سلمى الذي أعاد إلى الأذهان تضحيات أبي خالد وصحبه من غير أن ينسى التنديد بالمستعمر البريطاني الغادر المخادع.
وتلتقي في شعر أبي سلمى حواضر العرب ومواقع النضال ضد المستعمر. فمن نابلس "جبل النار"، إلى بور سعيد، إلى بغداد، إلى الجزائر، إلى لبنان، إلى دمشق، إلى الأردن، بل إن قامة الشاعر المطلة على الإنسانية تنفذ إلى "إيبي" ثائر الهند الفقير، وإلى مدينة سواستبول التي تحدت العدوان الأمريكي. وهذا طبيعي عند شاعر راديكالي يرى أعداء الشعوب وقد شملتهم صيغة الاستعمار:
لا تذكروا حق الضعيف فكلكم مستعمرون وكله استعمار
وكما يعمم غضبه وجهاده ضد المستعمرين من غير تمييز، فإنه يعطي صوته للشهيد حتى لو كان مجهولاً. بل إن هذا الشهيد المجهول رمز للشهداء جميعاً في كل زمان ومكان:
من أنت؟ صاح الترب وهو مخضب فأجابه دمك الزكــــي يقول:
أنا في ديار العرب شارة مجـــــدهم أنا رمز وحدتهم.. أنا المجهول
وأبو سلمى الذي أعطى عمره وشعره للمواجهة. ما كان له إلا أن يختار الفقراء وينحاز إليهم. وقد تقدم خطوة نوعية في هذا الشأن تجاوزت حكمة الأخلاق والشفقة على المعوزين، إلى حضور مؤتمرات العمال، والأخذ بشعارات الثورة البروليتارية، حتى كان الشيوعيون العرب كثيراً ما يرددون قصيدته الدالية، ظناً منهم أنها لأحد الشعراء الشيوعيين المكرسين.
ولكن أبا سلمى لم يكن شيوعياً في يوم من الأيام، على ما ربطته أواصر الصداقة والتضامن مع رموز معروفة مثل حنا نقارة وتوفيق زياد وعلي عاشور وإميل حبيبي، ويظل أبو سلمى هو القائل يوم عيد العمال في يافا عام 1947:
قالوا: يساريون.. قلت: أجلّهم قولاً ومبـــدا
هذي المطارق والمناجل تحصد الظلام حصدا
وتحرر الإنسان حتى لا ترى في الكون عبـدا
ولقد ظلت هذه النزعة الراديكالية، إلى جوار إيمانه غير المتزمت كمسلم، سمة طبيعية له حتى فارق هذه الدنيا.
.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ليمار

¦>مشرفة عامة
¦>مشرفة عامة<¦


انثى



محترم ع الآخـر


||آلـعـمـــر|| ||آلـعـمـــر|| : 24
||الإنتساب|| ||الإنتساب|| : 03/08/2007
||نــقـــــآط|| ||نــقـــــآط|| : 3419
||السٌّمعَـة|| ||السٌّمعَـة|| : 18
||المساهمات|| ||المساهمات|| : 1857
||My Sms|| ||My Sms|| : لا يوجـد
||My Mms|| ||My Mms|| :
||الإدارة|| ||الإدارة|| : منتديات نورس فلسطين

مُساهمةموضوع: رد: ديوان أبي سلمى عبد الكريم الكرمي   6/12/2007, 1:47 am

العاشق المتعزل
إذا بحثنا عن مرحلتين فلسطينيتين في شعر أبي سلمى، قبل النكبة وبعدها. فإن قصيدة الحب عنده هي هي في المرحلتين. صحيح أن فلسطين أخذت بعداً رمزياً من المرأة بعد النكبة، مثل خولة التي سأل الطيب عنها فكانت في كل ذرة من تراب البلاد. ولكن المرأة بما هي جسد ومشاعر وعلاقة كانت قوية الحضور عنده. ولم تزعزع النكبة الوطنية اندفاعه إلى الجمال. بل نلاحظ أن قصائده الغزلية المتأخرة لم تنل منها شيخوخة الجسد، وسنظل نذكر له تلك القصيدة الطريفة في دمشق، إثر انقلاب عسكري ومنع التجوال في الشوارع:
ليتني كنت عندها يوم منع التجول
ولهذا المنع فائدتان على الأقل: الأولى أن لديه ذريعة حتى لا يغادر، والثانية أنه مطمئن إلى أن أحداً لن يأتي فيفسد الخلوة. والواقع أن شعر أبي سلمى الماجن لم يجد طريقه إلى النشر في مجموعة لسببين: أن كثيراً منه غير جادّ وعن غير تجربة، فقد كان يتظرف هو وإبراهيم طوقان وجلال زريق. والثاني أن ما قيل عن تجربة كان من الوضوح بحيث يمكن أن يسبب مشكلات اجتماعية كما جرى مع إبراهيم طوقان الذي "فضح" شعره قصص حبه مع ماري صفوري وليلى تين. أما المرأة التي جاهر أبو سلمى بحبها من غير حرج، فهي رفيقة عمره المرحومة أم سعيد، رقية حقي. ولهذا كان طبيعياً أن نرى شعره المنشور في الغزل صريحاً في عاطفته غير صريح في جزئياته. فكان غاية ما يصرح به، هذا الاعتراف:
تسائل كيف عرفت النسيب وممن تعلمت شعر الغزل
تعلمته من شذا وجنتيـــك إذا ما تفتح زهر الأمـــل
وأقصى ما يعطيه من إشارات، أن الحبيبة هي ذات الخال. وأنه يتذكرها في الليل، وإذا كان هناك من عناق وقبلات فذلك عهد قديم، عهد ليلى ـ وليلى اسم عامّ حتى لا يكاد يعني مسمّى معيناً في الغزل العربي بعد قيس بن الملوح ـ وقد يكون الحب مناسبة لاستذكار مكان ما، لعله مكان اللقاء. أو يلوح الشاعر برمز تقليدي مثل منديل الحبيبة. أو يناجي البلابل والعنادل التي تذكره بصوتها. وهو سعيد بأن يعذبه حبها:
لئن كان سرَّكِ.. يا مرحبا بهذا العذاب، فقد لذَّ لي
وما عدا ذلك، فهناك الطيف الذي يحمل الذكرى. هناك الصدود والإقبال.. إنه شعر عذب وطريف. لكنه تقليدي لأنه محكوم بظروف تقليدية. ويظل شعر المرأة المبحوث عنه في خفايا أبي سلمى هو الذي لابد وأن يظهر يوماً. لقد غنت فيروز من غزل أبي سلمى:
أين الشذا والحلم المسكر أهكذا حبك يا أسمر؟
لكن هذا كلام مأمون العواقب، ومثله ما نشره في ديوانه مما تأخذ الحبيبة فيه صفة الغزالة.
فتلك الغزالة تهدي الشعاع وهذي الغزالة تهدي القبل
ومع ذلك، فقد فلتت من قصائده "تلك"، واحدة بعنوان "تحت الدرج" ووجدت طريقها إلى "ديوان أبي سلمى":
هناك تحت الدرج مالك لم تعرّجي؟
يلفنا ليل الهـوى معاً ولا من حرج
وفي شعره الآخر، غير المتوفر للقراء، تموج القصائد بالأوزان الخفيفة شبه الراقصة، وبالطرافة، وباللذة الحسية.. لكن الكلمة الأخيرة لا تقال في هذا الشعر حتى يرى النور.
أغاني الأطفال
من مفاجآت أبي سلمى المضيئة، مجموعته التي أصدرها عام 1964 بعنوان "أغاني الأطفال" وهي، كما يدل عنوانها، أناشيد وأهازيج ونصوص شعرية مكتوبة للأطفال. وكان أمراً لافتاً أن يصدر هذا النوع من النتاج عن شاعر عربي مولود عام 1909. فنحن لا نكاد نعرف، ضمن هذا المجال، غير محاولات رائدة لأحمد شوقي وكامل كيلاني، إضافة إلى الإسهام الكبير لمحمد الهراوي. إلا أن ما أضافه أبو سلمى، في مجموعته هذه، هو أنه عمد إلى تلحين هذه النصوص على أيدي موسيقيين عرب معروفين هم يحيى اللبابيدي ومحمد عبد الكريم ومحمد البكار ويحيى السعودي ويوسف بتروني. ولم يكتف بذلك، بل عمد إلى نشر كل قصيدة على صفحة ووضع نوتة لحنها في الصفحة المقابلة، حتى يتاح لمعلمي المدارس والمختصين أن يعملوا الأطفال غناء هذه النصوص. ولكنه لم يضع هذه النوتات الموسيقية في الديوان الكبير. ربما لأنه يفترض أن الديوان بمجمله موجه إلى القارئ الراشد. مع أن له بعض النصوص الملحنة على أيدي هؤلاء الموسيقيين إلا أنها للكبار، ومع ذلك فهو لم يضع نوتاتها أيضاً في الديوان.
وأول ما يلفت في "أغاني الأطفال" هو أن الشاعر واسع الأفق، متعدد الموضوعات. وهو معني بأن يشد الطفل إلى الطبيعة ليتأمل "راعي الغنم" و"نسيم الربى" و"النهر". وكان من الخبرة بحيث أخفى صوته، كواحد من الكبار، وترك الأطفال يتأملون ويحاورون الأشياء. ولم يتدخل بصوته الشخصي إلا في "راعي الغنم".
هل تنظرون راعي الغنم؟
وتسمعــون حلم النغـم؟
وأنشأ، في أغاني الأطفال، علاقة مع الطيور والحيوانات الأليفة "الببغاء" و"قطتي" و"العندليب" و"يا بلبلي" و"لو كنت عصفوراً". كما خصص نصوصاً لقضايا اجتماعية وإنسانية مثل "داري" و"الولد الأعمى" و"الشريد" و"لا أحد"، ولم يغب عنه أن يكتب نصوصاً وطنية مثل "يا رفاق السلاح" و"نشيد" و"عيد الجلاء" و"الوحدة العربية".
تتميز النصوص المكتوبة للأطفال بألفاظها السلسلة المتداولة، وموسيقاها شديدة الرشاقة، حتى أنه كان لا يستخدم أحياناً ـ كما رأينا في راعي الغنم ـ غير تفعيلة واحدة في الشطر لتكون الكلمات قليلة فيترنم الطفل بها ويحفظها بسهولة. بل إن أبا سلمى أقدم على خطوة عروضية بالغة الجرأة ما كان ليكتبها في قصائده المعروفة المألوفة. وهي إقحام تفعيله من خارج وزن النص العام، كما في النهر:
يا أيها النهر الجميـــــل كيف تسير ـ بلا سمير
أنت الذي تشفي الغليل ولا تدري
فالبحر هو الرجز، وتفعيلته "مستفعلن" لكن "ولا تدري" على وزن مفاعيلن، فهي لبحر الهزج. وسيوافيها ـ حسب الترتيب السابق ـ بقواف متشابهة مع نهاية كل مقطع على الوزن والقافية: "وبالشعر ـ إلى البحر ـ وللزهر ـ عن النصر" ثم يفاجئنا في المقطع الأخير بتفعيلة جديدة هي "فعلن" الخاصة ببحر الخبب مع أنه حافظ على القافية عندما يقول: "دوماً تجري".
وإلى ذلك، سمح أبو سلمى لنفسه ـ وهو الشاعر التراثي ـ أن يأتي بلفظة تعبيرية خارج القاموس، كرمي للأطفال، وذلك عندما قال في نشيد يا قطتي: "مياو.. مياو".
إلا أن النصين اللذين لا يمكن للقارئ المعني إلا أن يتوقف عندهما باهتمام. هما "الولد الأعمى" حيث ضبط الشاعر لحظة إنسانية من شأنها أن تترك الأثر العميق لدى القارئ سواء أكان طفلاً أم راشداً:
يقولون بأن الشمس زانت قبة الفلك
يضيء بنورها الكون وتمحو آية الحلك
يقولونَ..
وهكذا بعد كل بيتين، يردد هذا الفعل الغامض الموحي: "يقولون" إلى أن ينهي النشيد بهذا المقطع المفاجئ المؤثر:
دعوا الكون وما يحويه من زهر ومن نجم
فما في الكون من نعم تساوي رؤيتي أمي
أما النص الثاني الذي قد يكون من أجمل ما قرأه الأطفال العرب من شعر، فهو بعنوان "لا أحد" وهو نص تربوي يسخر من أولئك الذين يتنصلون من المسؤولية، فيجيبون عندما نسألهم عمن ارتكب الخطأ: لا أحد.. ويقترح الشاعر أن نسمي هذا المخطئ بهذا الاسم الطريف "لا أحد":
شخص يسمى لا أحد كان يطوف في البلد
ويختفي وراءه كل فتاة وولد
من كسر الزجاجا؟ وأطفأ السراجا؟
هل أنت يا زياد؟ أم أنت يا سعاد؟
كل يقول: لا أحد
"لا أحد" مسكين وماله معين
يظلمه الإنسان وما له لسان
ولا أحد ولا أحد
إلا أنني وقعت على النص، بصياغة مختلفة، في ديوان كامل كيلاني، مع توضيح من الشاعر عبد التواب يوسف يشير فيه إلى أنه قرأ نصاً بالإنكليزية في هذا المعنى تماما. ويبدو أن النص كان معروفاً بالإنكليزية لدى ذلك الجيل بحيث لم تكن هناك حاجة إلى التنويه بالمصدر. ويبقى أن لأبي سلمى هذه الصياغة الساحرة التي تتفوق بما لا يقاس على صياغة كامل كيلاني.
وبعد:
هذا هو أبو سلمى، شاعر فلسطين الكبير، وزيتونتها الشامخة.. لقد أنست بظله من خلال "ديوان أبي سلمى" الذي أصدره الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين عن دار العودة في بيروت عام 1981. وكانت هذه الدار قد أصدرت الطبعة الأولى عام 1978، أي خلال حياة الشاعر. ويقع الديوان في خمس وثمانين وثلاثمئة صفحة من القطع الكبير.. ودعونا نأمل بأن نرى طبعة جديدة من أعمال أبي سلمى في فلسطين بعد إضافة النصوص التي عثرت عليها الشابة المرحومة غادة أحمد بيلتو، والنصوص التي يمكن أن تكون في حوزة الورثة أو المهتمين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: ديوان أبي سلمى عبد الكريم الكرمي   7/12/2007, 12:40 am

شكرا على الموضوع يا لمور
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ليمار

¦>مشرفة عامة
¦>مشرفة عامة<¦


انثى



محترم ع الآخـر


||آلـعـمـــر|| ||آلـعـمـــر|| : 24
||الإنتساب|| ||الإنتساب|| : 03/08/2007
||نــقـــــآط|| ||نــقـــــآط|| : 3419
||السٌّمعَـة|| ||السٌّمعَـة|| : 18
||المساهمات|| ||المساهمات|| : 1857
||My Sms|| ||My Sms|| : لا يوجـد
||My Mms|| ||My Mms|| :
||الإدارة|| ||الإدارة|| : منتديات نورس فلسطين

مُساهمةموضوع: رد: ديوان أبي سلمى عبد الكريم الكرمي   8/12/2007, 2:32 am

شكرا على المرور
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: ديوان أبي سلمى عبد الكريم الكرمي   8/12/2007, 2:44 am

شكرا ليمار على التعريف بالشاعر الفلسطيني أبي سلمى عبد الكريم الكرمي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ليمار

¦>مشرفة عامة
¦>مشرفة عامة<¦


انثى



محترم ع الآخـر


||آلـعـمـــر|| ||آلـعـمـــر|| : 24
||الإنتساب|| ||الإنتساب|| : 03/08/2007
||نــقـــــآط|| ||نــقـــــآط|| : 3419
||السٌّمعَـة|| ||السٌّمعَـة|| : 18
||المساهمات|| ||المساهمات|| : 1857
||My Sms|| ||My Sms|| : لا يوجـد
||My Mms|| ||My Mms|| :
||الإدارة|| ||الإدارة|| : منتديات نورس فلسطين

مُساهمةموضوع: رد: ديوان أبي سلمى عبد الكريم الكرمي   8/12/2007, 2:49 am

شكرا سهام على المرور الحلو
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: ديوان أبي سلمى عبد الكريم الكرمي   10/12/2007, 3:57 am

شكرا كتير على المعلومات
لمورة المنتدى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
$.:.AsEeR.:.$

¬»إدارة المنتدى«—¦|¦
¬»إدارة المنتدى«—¦|¦


ذكر





محترم ع الآخـر


||آلـعـمـــر|| ||آلـعـمـــر|| : 31
||الإنتساب|| ||الإنتساب|| : 29/07/2007
||نــقـــــآط|| ||نــقـــــآط|| : 100010761
||السٌّمعَـة|| ||السٌّمعَـة|| : 70
||المساهمات|| ||المساهمات|| : 7660
||My Sms|| ||My Sms|| : لو بحثت عن صديق فلم تجده ... فتأكد... أنك تبحث عنه لتأخذ منه شيئاً .. ولو بحثت عنه لتعطيه شيئاً لوجدته ...
||My Mms|| ||My Mms|| :
||الإدارة|| ||الإدارة|| : منتديات نورس فلسطين

مُساهمةموضوع: رد: ديوان أبي سلمى عبد الكريم الكرمي   10/12/2007, 4:26 am

مشكورة كتير على المعلومات يا ليمار


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: ديوان أبي سلمى عبد الكريم الكرمي   2/1/2008, 2:26 pm

مشكورة كتير على المعلومات يا ليمار
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
OsAiD

¦>مشرف عام
¦>مشرف عام<¦


ذكر





محترم ع الآخـر


||آلـعـمـــر|| ||آلـعـمـــر|| : 21
||الإنتساب|| ||الإنتساب|| : 11/05/2008
||نــقـــــآط|| ||نــقـــــآط|| : 8439
||السٌّمعَـة|| ||السٌّمعَـة|| : 1
||المساهمات|| ||المساهمات|| : 6802
||My Sms|| ||My Sms|| : &quot;لَآْ ثِقَة لَدَيَّ إلّآْ عَيّنَيّكِيْ فَعَيّنَآْكِيْ أَرضٌ لَآْ تَخُوْنْ ،، فَدَعيْنِيْ أَنظُرّ إلَيّهِمَآْ دَعيْنّيْ أَعّرِفْ مَنْ أَكْوْن&quot;
||My Mms|| ||My Mms|| : FC Barcelona
||الإدارة|| ||الإدارة|| : منتديات نورس فلسطين

مُساهمةموضوع: رد: ديوان أبي سلمى عبد الكريم الكرمي   14/6/2008, 2:18 pm

مشكووووووووووووور كتير الك ع الموضوع

الله يوفقك ربي ..



FC Barcelona
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: ديوان أبي سلمى عبد الكريم الكرمي   14/12/2008, 3:24 am

شكرا ليمار...........
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Enas

¦>مراقبة عامة
¦>مراقبة عامة<¦


انثى





محترم ع الآخـر


||آلـعـمـــر|| ||آلـعـمـــر|| : 22
||الإنتساب|| ||الإنتساب|| : 03/11/2008
||نــقـــــآط|| ||نــقـــــآط|| : 5802
||السٌّمعَـة|| ||السٌّمعَـة|| : 29
||المساهمات|| ||المساهمات|| : 4840
||My Sms|| ||My Sms|| : لا يوجـد
||My Mms|| ||My Mms|| :
||الإدارة|| ||الإدارة|| : منتديات نورس فلسطين

مُساهمةموضوع: رد: ديوان أبي سلمى عبد الكريم الكرمي   2/6/2009, 9:47 pm

ميرسى ليمار على المعلومات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
جرح الزمن

¦>عضو سوبر VIP
¦>عضو سوبر VIP<¦


ذكر



محترم ع الآخـر


||آلـعـمـــر|| ||آلـعـمـــر|| : 31
||الإنتساب|| ||الإنتساب|| : 01/10/2008
||نــقـــــآط|| ||نــقـــــآط|| : 13530
||السٌّمعَـة|| ||السٌّمعَـة|| : 12
||المساهمات|| ||المساهمات|| : 11983
||My Sms|| ||My Sms|| : لا يوجـد
||My Mms|| ||My Mms|| :
||الإدارة|| ||الإدارة|| : منتديات نورس فلسطين

مُساهمةموضوع: رد: ديوان أبي سلمى عبد الكريم الكرمي   2/6/2009, 9:59 pm

يسلموووو ليمار
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: رد: ديوان أبي سلمى عبد الكريم الكرمي   8/7/2009, 5:48 am

يسلمو دياتك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابن الياسر

¦>عضو سوبر VIP
¦>عضو سوبر VIP<¦


ذكر





محترم ع الآخـر


||آلـعـمـــر|| ||آلـعـمـــر|| : 29
||الإنتساب|| ||الإنتساب|| : 04/11/2009
||نــقـــــآط|| ||نــقـــــآط|| : 6184
||السٌّمعَـة|| ||السٌّمعَـة|| : 10
||المساهمات|| ||المساهمات|| : 3442
||My Mms|| ||My Mms|| : Real Madrid
||الإدارة|| ||الإدارة|| : منتديات نورس فلسطين

مُساهمةموضوع: رد: ديوان أبي سلمى عبد الكريم الكرمي   4/12/2009, 7:47 am

يسلمو ايدك
ويعطيك الف عافيه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
ديوان أبي سلمى عبد الكريم الكرمي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات نورس فلسطين :: ║ ║║الأقسام الأدبية║║ ║ :: ║الشعر و الشعراء║ ║Poetry & Poets║-
انتقل الى: